المادة المظلمة - "الجاذبية الخفية"
المادة المظلمة: لماذا لا تتفكك المجرات؟
إذا قمت بجمع كل النجوم، والكواكب، والغبار، والغاز في مجرتنا "درب التبانة" ووزنتها، فستجد أن جاذبيتها أضعف بكثير من أن تمسك المجرة معاً! النجوم تدور بسرعة جنونية لدرجة أنها يجب أن تتطاير في الفضاء كأحجار مقذوفة من مقلاع. لكنها لا تفعل. هناك شيء خفي، ضخم، وغير مرئي، يعمل كـ "غراء كوني" يربط كل شيء. هذا الشيء هو المادة المظلمة.
1. كيف عرفنا أنها موجودة؟
في السبعينيات، لاحظت عالمة الفلك فيرا روبين شيئاً غريباً: النجوم عند أطراف المجرة تدور بنفس سرعة النجوم القريبة من المركز. وفقاً لقوانين نيوتن، يجب أن تكون الأطراف أبطأ. الاستنتاج الوحيد؟ المجرة محاطة بهالة ضخمة من مادة غير مرئية توفر جاذبية إضافية تجعل النجوم تدور بهذه السرعة دون أن تخرج عن مسارها.
2. ليست مجرد "مادة"
المادة المظلمة ليست "سحابة غاز باردة" أو "ثقوباً سوداء مختبئة". هي مادة لا تتفاعل مع الضوء إطلاقاً؛ لا تعكسه، لا تمتصّه، ولا تصدره. هي "تخترق" أجسامنا وأجسام الكواكب دون أن نشعر بها، ولا نلاحظها إلا من خلال تأثير جاذبيتها فقط.
3. رؤية غير المرئي: العدسة الجاذبية
رغم أننا لا نرى المادة المظلمة، إلا أننا نرى تأثيرها. عندما يمر ضوء مجرة بعيدة خلف تجمع ضخم من المادة المظلمة، ينحني هذا الضوء (كما تنحني صورة الأشياء خلف زجاجة مياه). هذه الظاهرة تسمى "العدسة الجاذبية"، وهي "الخريطة" التي نستخدمها لرسم أماكن وجود المادة المظلمة في الكون.
4. لولاها لما وُجدنا
المادة المظلمة شكلت "الخيوط" الأولى في الكون. بعد الانفجار العظيم، تجمعت المادة المظلمة أولاً لتشكل شبكة من الجاذبية، ثم بدأت المادة العادية (نحن والنجوم) بالتجمع داخل هذه الشبكة. لولا المادة المظلمة، لما تجمعت المادة لتشكل النجوم والمجرات، ولظل الكون مجرد حساء متجانس وممل.
إلى "الطاقة المظلمة".. لغز التسارع
لقد عرفنا "الغراء" الذي يمسك المجرات، لكن هناك شيئاً آخر يدفع المجرات للابتعاد عن بعضها بتسارع مرعب! بعد المادة التي تمسك الكون، حان الوقت لنتحدث عن الطاقة التي تمزق الكون.. وجهتنا القادمة هي الطاقة المظلمة (Dark Energy).
سؤال القراء: ألا يثير فيك العجب أن 85% من المادة في الكون هي مادة لا نعرف ماهيتها، وأننا -نحن المادة العادية- مجرد "أقلية" صغيرة في هذا الوجود؟



Comments
Post a Comment